من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أوائل التسعينيات، دعم الرؤساء الأميركيون التجارة الحرة وشجعوا الدول على خفض الحواجز التجارية عبر اتفاقيات مثل الجات عام 1947.
لكنهم حافظوا على نهج براغماتي، باستخدام أدوات مثل الرسوم الجمركية والاتفاقيات القطاعية والمفاوضات الصعبة عند الحاجة. ولم يكن من الطبيعي تاريخيًا أن تُحكم التجارة الدولية بقواعد عالمية صارمة.
مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى وإعادة تقييم الدول لنماذجها الاقتصادية، أصبحت القواعد الشاملة أقل منطقية.
داخل أميركا نفسها، ظهرت نقاشات حادة حول جدوى النظام القائم على القواعد. فعلى سبيل المثال، دعم الرئيس السابق جو بايدن صناعة الطاقة الخضراء عبر إعانات، بينما سعى دونالد ترامب لأخذ حصص ملكية حكومية في شركات أميركية.
في ظل هذه الانقسامات، لا يمكن لأميركا أن تفرض قواعد عالمية دائمة، خصوصًا مع الصين حيث يجب أن تميل الكفة لصالح واشنطن.
نهج ترامب الفوضوي والفرصة المستقبلية
رغم أن سياسة ترامب التجارية فوضوية بسبب اعتماده الكبير على الرسوم الجمركية وتهديداته، إلا أن بعض عناصر نهجه تمثل عودة إلى البراغماتية الأميركية التقليدية.
وبحسب تحليل نشرته الفورين لأفايرز Foreign Affairs الاثنين 26 يناير/كانون الثاني، فإنه على القادة الذين يأتون بعده أن يبنوا على هذه العناصر، عبر توسيع الاتفاقيات مع اليابان وأوروبا وغيرها لحل التحديات الاقتصادية والأمنية المشتركة، والاستفادة من تجربة الرئيس رونالد ريغان الذي مزج بين التجارة الحرة والحماية عند الحاجة.
من "التجارة الحرة والعادلة" إلى القواعد الصارمة
لم يظهر هدف دعم نظام تجاري قائم على قواعد عالمية في وثيقة حكومية أميركية إلا عام 1991. بينما قبل ذلك، كانت السياسات أكثر مرونة، مثل الجات التي تضمن استثناءات واسعة وأدوات دبلوماسية لحل النزاعات.
الرئيس ريغان على سبيل المثال كان واضحًا على البراغماتية، إذ خفض الرسوم الجمركية، وقع أول اتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل عام 1985، لكنه أيضًا فرض قيودًا على صادرات السيارات والرقائق اليابانية لحماية الصناعات الأميركية.
اقرأ أيضاً: تراجع أسعار النفط بعد استئناف الإنتاج في قازاخستان مما يعوض الاضطرابات في الولايات المتحدة
التحول في التسعينيات
مع انهيار الاتحاد السوفيتي وصعود "إجماع واشنطن"، تبنت أميركا نهجًا قائمًا على القواعد العالمية. الرئيس بيل كلينتون نجح في تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1994، مدعومًا بتفوق أميركا الاقتصادي والعسكري.
لاحقًا، حاول الرئيسان جورج بوش وباراك أوباما توسيع هذا النهج عبر اتفاقيات مثل الشراكة عبر المحيط الهادئ.
ترامب يكسر النموذج القائم
رفض ترامب السعي لوضع قواعد جديدة للتجارة العالمية. فيما لم يحاول وضع معايير مشتركة للصناعات، بل استخدم التهديدات الجمركية لإجبار دول مثل الأرجنتين وغواتيمالا على قبول المنتجات الأميركية، وضغط على أوروبا لتخفيف القيود على شركات التكنولوجيا الأميركية.
هذا الموقف يعكس شخصيته التي تميل لكسر القواعد، لكنه أيضًا يتماشى مع الحاجة الحالية لنهج أكثر مرونة.
الصين والتحديات الجديدة
لم تنجح محاولات أميركا وحلفائها في إلزام الصين بقواعد منظمة التجارة العالمية.
وحتى لو التزمت الصين، فإن الاقتصادات الأخرى ستحتاج إلى خرق القواعد لمنافسة فائضها التجاري الهائل الذي بلغ تريليون دولار في نوفمبر 2025.
لذلك تحتاج أميركا إلى استخدام الإعانات والرسوم الجمركية وأدوات السياسة الصناعية لتقليل الاعتماد على الصين في المعادن والتكنولوجيا.
البراغماتية بدل الأيديولوجيا
ويشدد التقرير على أنه يتعين على صناع السياسات في واشنطن والعواصم الحليفة العودة إلى المرونة.
كما أن رسوم ترامب المفرطة ليست عملية، لكنها ليست كل القصة. بعض اتفاقياته مع دول مثل كمبوديا وماليزيا تضمنت بنودًا للتعاون في الرسوم والرقابة على الاستثمارات بشكل مرن يخدم الأمن القومي الأميركي.
كما أدخل ترامب بنودًا تخص المعادن الحيوية في اتفاقيات مع الأرجنتين وإندونيسيا، وهو توجه يجب توسيعه.
ابتكار أدوات جديدة
ومنح التخلي عن القواعد ترامب مساحة لابتكار أدوات جديدة، مثل إقناع اليابان وكوريا الجنوبية بإنشاء صناديق استثمار مدعومة من الدولة لتمويل مشاريع داخل أميركا.
كما ساعدت رسومه على الصين في تقليص صادراتها إلى أميركا عام 2025، بينما ارتفعت صادراتها إلى آسيا وأوروبا.
وسيكون إقناع الحلفاء بفرض قيود مماثلة على الصين أكثر فاعلية من محاولة صياغة قواعد جديدة، وفق التقرير.
ويضيف التقرير: إن مواجهة اختلالات التجارة والتحديات مثل التغير المناخي ستتطلب مزيجًا من الرسوم والقيود على رأس المال والتدخلات في أسواق العملات.
وإذا تجاهل صناع السياسات في أميركا وحلفاؤها العناصر البراغماتية في نهج ترامب لمجرد أنه تبناها، وأصروا على العودة إلى نظام قائم على القواعد، فسوف يفوتون فرصة ثمينة لتحقيق الازدهار العالمي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي