النفط تحت ضغط الجغرافيا السياسية

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة:AFP/أميركا,ترامب,النفط,أسعار النفط,فنزويلا

استمع للمقال
Play

بقلم: أسيل العرنكي مديرة قسم الأبحاث والتحليل بشركة River Prime

 

تعود فنزويلا مجدداً إلى واجهة أسواق الطاقة العالمية، في وقت تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية مع رهانات الأسواق على مسار أسعار النفط خلال عام 2026. فالتطورات الأخيرة تعكس مرحلة جديدة من عدم اليقين، تمتد آثارها من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، وتعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإمدادات والتوازن السعري عالمياً.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تدخل ترامب في فنزويلا بالنسبة لثروة غيانا النفطية الضخمة؟

وقد أعادت تصريحات وزير الطاقة الأميركي تسليط الضوء على الدور الأميركي المتنامي في قطاع النفط الفنزويلي، بعد حديثه عن تسريع توسيع ترخيص شركة شيفرون للعمل في البلاد. وفي السياق نفسه، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن الولايات المتحدة قد تتولى إدارة صناعة النفط الفنزويلية والإشراف على مبيعاتها، مع خطط لتسويق ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي العالق، في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في المقاربة الأميركية تجاه هذا الملف الحساس وفي الوقت ذاته تخشى شركات النفط الأميركية الاستثمار في فنزويلا.

ورغم أن فنزويلا تمتلك نحو 17% من الاحتياطي العالمي للنفط، فإن العودة الأميركية إلى هذا السوق لا تخلو من المخاطر. فالتجارب السابقة لا تزال حاضرة في أذهان المستثمرين، بعدما اضطرت شركات كبرى، مثل إكسون موبيل، إلى الخروج من السوق الفنزويلي في منتصف الألفينات عقب فرض الحكومة شروط ملكية صارمة على الشركات الأجنبية. وتزداد حالة عدم اليقين اليوم مع تأكيد وزير الطاقة الأميركي عدم وجود خطط لتقديم ضمانات للشركات الأميركية العاملة في فنزويلا، وهو ما قد يؤثر على قرارات الاستثمار لسنوات مقبلة، وليس فقط خلال عام 2026.

اقرأ أيضاً.. وزير الطاقة الأميركي: واشنطن تتحرك بسرعة لتوسيع ترخيص شيفرون في فنزويلا

وتكشف أرقام الإنتاج حجم التحدي القائم، إذ تراجع إنتاج فنزويلا من نحو 3.5 مليون برميل يومياً في مطلع الألفينات إلى أقل من مليون برميل يومياً حالياً. وتشير التقديرات إلى أن إعادة الإنتاج إلى مستويات تقارب أربعة ملايين برميل يومياً تتطلب سنوات طويلة، واستثمارات تتجاوز 100 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة. ويُضاف إلى ذلك أن النفط الفنزويلي يُعد من النفوط الثقيلة مقارنة بخام غرب تكساس الوسيط الخفيف، ما يعني تكاليف استخراج أعلى ومخاطر ربحية أكبر، وهو عامل يزيد من تردد الشركات العالمية في التوسع بقوة داخل هذا القطاع.

في ظل هذه المعطيات، تتباين السيناريوهات بشأن مسار أسعار النفط. فمن جهة، قد تؤدي المخاطر السياسية المرتفعة، وتكاليف الإنتاج العالية، وصعوبة إعادة الإعمار في فنزويلا إلى ضغوط صعودية على الأسعار خلال العام الجاري. ومن جهة أخرى، يرى الرئيس الأميركي، بحسب تصريحات وتقارير لصحيفة وول ستريت جورنال، أن السيطرة على النفط الفنزويلي قد تسهم في خفض سعر البرميل إلى نحو 50 دولاراً. غير أن هذا السيناريو يثير قلقاً واسعاً داخل قطاع الطاقة الأميركي، إذ يبلغ سعر التعادل للشركات الأميركية قرابة 60 دولاراً للبرميل، في وقت يصل فيه الإنتاج الأميركي إلى نحو 13.8 مليون برميل يومياً، ما يجعل هبوط الأسعار إلى هذه المستويات تهديداً لجدوى الاستثمار وقد يضر بالصناعة الأميركية نفسها.

شاهد أيضاً: هل تورط ترامب في فخ فنزويلا؟

لا تقتصر عوامل المخاطر على فنزويلا وحدها، إذ يظلّ الشرق الأوسط عاملاً حاسماً في معادلة أسعار النفط. ففي ظل التناقض بين تصريحات الرئيس الأميركي الداعية إلى خفض التصعيد وتهدئة التوتر في المنطقة، وبين تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، تبقى احتمالات التصعيد قائمة. وفي حال تطورت التوترات مع إيران إلى مواجهة عسكرية، فإن توقف الإنتاج الإيراني بالكامل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 20%. أما السيناريو الأكثر خطورة، والمتمثل في اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، فقد يدفع الأسعار إلى الارتفاع بنسبة تصل إلى 80% لتقترب من مستوى 100 دولارات للبرميل.

رغم أن ارتفاع أسعار النفط يزيد الضغوط التضخمية على المستهلك الأميركي، فإن أثره على الاقتصاد الأميركي بات محدوداً مقارنة بالماضي، بعد تحوّل الولايات المتحدة إلى مُصدّر بفضل النفط الصخري، ما جعل التأثير الكلي مختلطاً وأقل خطورة.

في المقابل، تتحمّل الاقتصادات المستوردة، وعلى رأسها الصين وأوروبا والهند، العبء الأكبر من التطورات الحالية، في حين تستفيد دول مصدّرة مثل روسيا وكندا والنرويج. وفي الوقت الراهن، تتجه الأنظار إلى الهند مع تصاعد الحديث عن تقليص الاعتماد على النفط الروسي، إذ قامت مؤسسة النفط الهندية، أكبر شركة تكرير في البلاد، بشراء نحو سبعة ملايين برميل من النفط الخام من الإمارات وأنغولا والبرازيل، للتحميل في شهر مارس، في خطوة تعكس توجهاً متزايداً لدى المصافي الهندية لتنويع مصادر الإمداد بعيداً عن الخام الروسي.

وتتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق مع تعقّد الملف الفنزويلي واستمرار التوتر بين واشنطن وموسكو، ما يدعم الإقبال على الذهب كملاذ آمن. في المقابل، يتحرك النفط ضمن نطاقات محدودة، إذ يجري تداول خام برنت قرب 63.78 دولاراً للبرميل، فيما يستقر خام غرب تكساس الوسيط عند مستويات 60.90 دولاراً.

وفي هذا السياق، أعلنت شركة «تينغيزشيفرويل» استئناف الإنتاج تدريجياً، اعتباراً من يوم الاثنين، في أحد أكبر الحقول النفطية في كازاخستان، بعد توقف دام أكثر من أسبوع نتيجة حريق، وهو ما ساهم في دعم أسعار النفط. ويأتي ذلك بعد أن تعرّض قطاع النفط الكازاخستاني لضغوط خلال الأشهر الماضية، بفعل الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية الروسية التي تعتمد عليها كازاخستان في صادراتها.

ورغم هذا الدعم، لا تزال المخاوف قائمة بشأن وفرة المعروض العالمي، إذ تتجه الشركات الكبرى إلى خفض إنفاقها الرأسمالي، في وقت يواصل فيه النفط الصخري الأميركي زيادة الإنتاج، ما يعزز احتمالات التقلبات في أسواق الطاقة خلال عام 2026.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة