◾ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني، ترشيحه لـ "كيفن وارش" لتولي منصب رئيس الفدرالي، في خطوة تأتي وسط تحديات غير مسبوقة لاستقلالية البنك المركزي الأميركي.
◾ ترامب قال عبر تروث سوشيال إنه يعرف وارش منذ فترة طويلة، ووصفه بأنه من بين أفضل رؤساء الاحتياطي الفدرالي، معتبراً أنه يتمتع بالكفاءة والسمعة التي تؤهله للمنصب.
◾ وارش، الذي شغل سابقاً منصب محافظ في البنك المركزي، سيخلف جيروم باول بعد انتهاء ولايته في مايو المقبل، على أن يخضع ترشيحه لموافقة مجلس الشيوخ الأميركي.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني، ترشيح كيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفدرالي، في خطوة قد تعيد تشكيل ملامح السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
يأتي هذا الترشيح في ظل بيئة اقتصادية معقدة، يجمع فيها الاقتصاد بين نمو قوي وتضخم عنيد، ما يجعل أي قرار بشأن أسعار الفائدة محط مراقبة دقيقة من الأسواق العالمية.
تترقب الأسواق ردود فعل وارش بحذر، إذ سيُقاس موقفه من التشدد النقدي وقدرته على مقاومة الضغوط السياسية على استقلالية البنك المركزي.
وتتوقف ثقة المستثمرين في السياسة النقدية على مدى التوازن بين تحقيق هدف التضخم المستهدف والحفاظ على استقرار سوق العمل.
في تصريحات متفرقة لـ CNBC عربية، يحلل اقتصاديون أميركيون خبرة وارش الطويلة في الفدرالي وسجلّه في إدارة الأزمات المالية السابقة، معتبرين أن خبرته قد تمنحه القدرة على الموازنة بين المخاطر الاقتصادية والسياسات الفورية المطلوبة لدعم الاقتصاد. علاوة على أن أسلوبه في التعامل مع التحديات النقدية سيحدد اتجاهات الأسواق ويؤثر في توقعات المستثمرين.
في السياق، يراقب المحللون تحركات الأسواق المالية بحساسية متزايدة، بما في ذلك الأسهم والسندات والمعادن النفيسة، لتقييم مدى تأثير قرارات وارش المستقبلية على الأسواق الأميركية والعالمية. أي إشارة عن ميله لخفض الفائدة أو التشدد النقدي قد تحرك الأسواق فورًا، ما يجعل ترشيحه اختبارًا دقيقًا لقدرة الفدرالي على الحفاظ على الاستقرار النقدي.
"الأسواق ليست منزعجة"
أستاذ الاقتصاد بكلية ويليامز بالولايات المتحدة، كينيث كوتنر، والذي عمل في وقت سابق نائباً للرئيس المساعد بقسم الأبحاث ببنك الاحتياطي الفدرالي في شيكاغو، يقول لـ CNBC عربية، إنه في المدى القريب جداً يبدو أن الأسواق ليست منزعجة من ترشيح وارش، فالعائد على سندات الخزانة لأجل 30 عامًا لم يشهد تغيرًا يُذكر، ما يشير إلى أن المستثمرين لا يتوقعون ارتفاع التضخم مقارنة بمستوياته الحالية.
وحول التداعيات على المدى الأبعد فيما يخص المخاوف بشأن استقلالية الفدرالي، يضيف المسؤول السابق بالفدرالي الأميركي: "لا تزال تداعيات هذا التعيين على استقلالية الاحتياطي الفدرالي غير واضحة في الوقت الراهن".
ويتوقع أنه خلال الأسابيع والأشهر المقبلة سيعكف المستثمرون على تدقيق خطابات وارش وتصريحاته، في محاولة لاستكشاف مدى استعداده للانحراف عن السياسات التي يفضلها الرئيس.
وفي سياق متصل، تترقب الأسواق تصرفات وارش وتصريحاته المستقبلية لتقييم موقفه من السياسة النقدية بشكل أوسع. فبينما يبدو في المدى القريب أن المستثمرين مرتاحون نسبياً لهذا الترشيح، ستستمر مراقبة ردود الفعل في أسواق الأسهم والسندات والمعادن الثمينة لمعرفة مدى استعداده لموازنة أهداف التضخم والتوظيف مع الضغوط السياسية المحتملة.
موقف وارش
مدير الاستثمار في شركة AJ Bell، روس مولد، يشير لدى حديثه مع CNBC عربية إلى ردة فعل الأسهم الأميركية خلال تعاملات الجمعة، ليستدل على ذلك بأن "أسوأ مخاوف الأسواق المالية بشأن تعيين الرئيس ترامب للرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفدرالي لا تتحقق".
ويضيف: "وارش دفع في الآونة الأخيرة نحو خفض أسعار الفائدة، وكان قد شكك في السابق في سياسات التيسير الكمي والتوسع الضخم في ميزانية الاحتياطي الفدرالي.. لذلك، لا يبدو أنه سيكون سهل الانقياد عندما يتعلق الأمر بتطبيق سياسة نقدية أكثر تيسيراً في وقت يبدو فيه، ظاهريًا، أن الاقتصاد الأميركي متماسك، والتضخم عنيد، وأسواق الأسهم لا تزال مزدهرة".
ويستطرد: "التقلبات التي شوهدت في المعادن النفيسة على وجه الخصوص لافتة للنظر، لكن من الصعب الجزم بما إذا كان ذلك مرتبطاً مباشرة بترشيح وارش أم لا.. فقد كان كل من الذهب والفضة قد شهدا موجة صعود كبيرة، وبدت تحركات الأسعار محمومة، لذا كان حدوث فجوة هبوطية في الأسعار احتمالًا قائمًا في مرحلة ما، خاصة بعدما بدأ البعض يشير إلى أن المعادن النفيسة ربما أصبحت أحدث حلقة في سلسلة من الفقاعات خلال السنوات القليلة الماضية، مثل أسهم الميم، والعملات المشفرة وما إلى ذلك".
ويختتم حديثه قائلاً: "هذا النشاط المحموم في الأسواق سيكون من الأمور التي يتعين على وارش مراقبتها، حتى وإن كانت مهمته الرسمية المزدوجة تتركز على إعادة التضخم نحو مستهدف 2% وتعظيم مستويات التوظيف".
ردة فعل الأسواق
تلقى ترشيح وارش دفعة قوية بعد أن عبر مستثمرو السندات والمسؤولون التنفيذيون في وول ستريت عن مخاوفهم من أن الرجل الذي كان لفترة طويلة أقرب منافسيه، وهو كيفن هاسيت، الخبير الاقتصادي في البيت الأبيض، سيقوم بخفض أسعار الفائدة بشكل عشوائي.
وكان الرئيس التنفيذي لشركة جيه بي مورغان تشيس، جيمي ديمون، قد أشار إلى دعمه لوارش، بينما حذر كين غريفين من شركة سيتاديل الرئيس من أن اختيار حليف مقرب لهذا المنصب قد يعيق قدرة الاحتياطي الفدرالي على مكافحة التضخم.
كبير استراتيجيي الأسواق في Bannockburn Capital Markets، مارك تشاندلر، يقول لـ CNBC عربية إن الأسواق تنظر إلى وارش باعتباره من دعاة التشدد النقدي، وعقب الكشف عن ترشيحه ارتفع الدولار، وصعدت عوائد الفائدة، وتعرضت الأسهم (الأميركية) لعمليات بيع.
ومع ذلك، يضيف: "تدرك السوق أن ترامب يريد أسعار فائدة أقل.. وقد شهدنا عدة مسؤولين في الإدارة يتخلّون عن مواقف تبنّوها سابقاً عند توليهم مناصب رفيعة، فالطموح قد يكون أقوى من الأيديولوجيا"، وذلك في إشارة إلى أن وارش قد يصبح أقل تشددًا مما تتوقعه السوق حالياً.
تخفيف المخاوف
يحظى وارش، وهو الأكاديمي في جامعة ستانفورد والشريك في مكتب عائلة المستثمر الملياردير ستانلي دراكنميلر، بتقدير كبير في وول ستريت. وتشير صحيفة فايننشال تايمز في تقرير لها إلى أن ترشيحه سيسهم في تخفيف المخاوف بشأن حملة الضغط المتواصلة التي يشنها الرئيس ترامب لإجبار الاحتياطي الفدرالي على خفض تكاليف الاقتراض.
ويختتم قرار ترامب بترشيح وارش، البالغ من العمر 55 عاماً، أكثر سباقات رئاسة أهم بنك مركزي في العالم إثارةً للجدل في الذاكرة الحديثة. ويأتي هذا في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأميركي نمواً قوياً، لكن التضخم لا يزال مرتفعًا، ويُظهر سوق العمل علامات تباطؤ بعد سنوات من التوظيف القوي.
وقد ردد وارش، الذي كان عضواً في مجلس محافظي الفدرالي خلال الأزمة المالية لعام 2008، دعوات وزير الخزانة سكوت بيسنت لإجراء إصلاح شامل لحوكمة الاحتياطي الفدرالي، داعياً إلى "تغيير النظام" في البنك المركزي.
وعلى وجه الخصوص، قال وارش إنه يأسف لتحرك الاحتياطي الفدرالي لتوسيع ميزانيته العمومية بشكل كبير خلال فترة توليه منصب المحافظ، كما أنه يشارك الإدارة وجهات نظرها بأن مهمة الاحتياطي الفدرالي قد تجاوزت بكثير أهدافها المتمثلة في كبح الأسعار وزيادة فرص العمل إلى أقصى حد.
وكان وارش قد أجرى مقابلة بالفعل لشغل المنصب الأعلى مرة واحدة، في عام 2017، عندما اختار ترامب بدلاً من ذلك باول، وهو الرجل الذي سرعان ما اختلف معه الرئيس الأميركي ووصفه منذ ذلك الحين بأنه "أحمق" و"عنيد" بسبب تردده في خفض أسعار الفائدة.
استقرار الأسواق
استاذ التمويل في جامعة ستوكتون، مايكل بوسلر، يقول لـ CNBC عربية، إن "كيفن وارش ظل في مجلس الاحتياطي الفدرالي لمدة 14 عامًا من 2006 إلى 2020، وهو حاصل على تعليم رفيع (ستانفورد، هارفارد)، ويتمتع بخبرة واسعة، ومن المتوقع أن يقود الاحتياطي الفدرالي بكفاءة عالية. كما أنه متحدث ممتاز".
ويضيف: "تتمثل مهمة الفدرالي في الحفاظ على استقرار الأسعار وإبقاء البطالة عند مستوى التوظيف الكامل أو قريبًا منه. وسيعمل وارش على استخدام السياسة النقدية لتحقيق هذين الهدفين.. ومن شأن وجوده، بعد تصديق مجلس الشيوخ على تعيينه وتوليه المنصب في مايو/ آيار، أن يسهم في استقرار الأسواق المالية، إذ إن الأسواق ستنظر إليه بإيجابية. فهو يمتلك سجلًا مثبتًا ويحظى عمومًا باحترام كبير في وول ستريت".
وفيما يتعلق باستقلالية الاحتياطي الفدرالي، يرى أنها "ستظل قائمة"، مضيفاً: "لا أعتقد بأن مخاوف البعض من كونه قريباً أكثر من اللازم من الرئيس ستؤثر في حكمه. بل سيضع تبني السياسة الصحيحة فوق أي تأثيرات خارجية. لقد كان هذا اختيارًا جيدًا للغاية"، على حسب تعبيره.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي