◾ تسوية مكلفة أم انتصار استراتيجي؟ سؤال يفرض نفسه بقوة على الساحة السياسية الأميركية بعد الإعلان عن ملامح اتفاق السلام المقترح بين واشنطن وطهران.
◾ رغم ترويج الإدارة الأميركية للحرب باعتبارها أداة لتقويض الطموح الإيراني، فإن تفاصيل مذكرة التفاهم الأخيرة، واللغط الدائر حول مبالغ لإعادة الإعمار، فجّرت موجة غضب بالداخل الأميركي (سواء بالنسبة للحزب الجمهوري وكذلك الديمقراطي على حد سواء).
◾ في هذا السياق، يخوض ترامب حرباً في الداخل"، وقد أدى الصراع إلى انقسام الحزب الجمهوري وترك الأميركيين يواجهون أسعارًا أعلى دون شعور واضح بالنصر.
تتصاعد أصوات منتقدة لإدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، معتبرة أن الحرب على إيران انتهت بنتائج لا تتناسب مع حجم الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تحمّلها دافعو الضرائب الأميركيون. ويرى هؤلاء أن الإدارة قدّمت الحرب باعتبارها خطوة تهدف إلى إضعاف القدرات الإيرانية وفرض شروط أميركية أكثر صرامة على طهران، إلا أن البنود المتداولة بشأن مذكرة التفاهم الأخيرة تثير تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد حققت بالفعل مكاسب استراتيجية توازي ما أنفقته من موارد وما تحمّلته من أعباء.
يستند المنتقدون إلى تقديرات تشير إلى أن الحرب كلّفت عشرات المليارات من الدولارات بصورة مباشرة وغير مباشرة، فضلاً عن انعكاساتها على أسعار الطاقة والأسواق العالمية، في حين أن الاتفاق المطروح -إذا صحّت التفاصيل المتداولة بشأنه - قد يتيح لإيران الحصول على تخفيف للعقوبات ومكاسب اقتصادية وسياسية، مع بقاء النظام الإيراني قائماً وقدرته على المناورة الإقليمية قائمة أيضاً.
كما يشير منتقدو ترامب إلى أن الحرب انتهت دون تحقيق هدف "الاستسلام غير المشروط" الذي رُفع في بداية المواجهة، ما يجعل الحصيلة النهائية أقرب، من وجهة نظرهم، إلى تسوية مكلفة سمحت لطهران بالخروج من الحرب وهي تحتفظ بجزء مهم من أوراق قوتها، بل وربما تعزز روايتها الداخلية بأنها صمدت أمام الضغوط العسكرية الأميركية.
ترامب يواجه حرباً داخلية
ويشير تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، إلى أن "الاتفاق الإيراني يترك ترامب يخوض حرباً في الداخل"، وقد أدى الصراع إلى انقسام الحزب الجمهوري وترك الأميركيين يواجهون أسعارًا أعلى دون شعور واضح بالنصر.
يشير التقرير إلى أنه "قد يكون الاتفاق قد جاء متأخراً جداً لعكس الضرر السياسي الذي لحق بترامب وبالحزب الجمهوري في هذه العملية، حيث رفض الأميركيون التضخم المرتفع الذي تسبب فيه".
يأتي ذلك فيما لم تحظ الحرب مع إيران بشعبية كبيرة لدى الشعب الأميركي، حيث قفز التضخم وأسعار البنزين إلى مستويات غير مسبوقة منذ إدارة جو بايدن، والتي تعهد بعكسها.
كما أدى ذلك إلى انقسام الحزب الجمهوري نفسه الذي ينتمي إليه ترامب نفسه بين معارضين للتدخل اعتبروه خيانة لوعده بعدم شن حروب جديدة، وصقور ضغطوا على البيت الأبيض لهزيمة إيران عسكرياً، وكانوا قد أظهروا بالفعل علامات خيبة الأمل ليلة الأحد.
في هذا السياق، يقول مدير شركة بلو جلاسير للأمن والاستخبارات Blue Glacier Security & Intelligence، كيه كامبل (وهو ضابط استخبارات عسكرية أميركي سابق) لـ CNBC عربية إن "الانتخابات النصفية المقبلة في الولايات المتحدة، وحجم الرفض المرتفع بشكل لافت لدى الأميركيين للحرب مع إيران، قد شكّلا على الأرجح ضغطاً على ترامب والمفاوضين الأميركيين".
ويشدد على أنه "على الرغم من أننا نشهد تصريحات متناقضة من الأميركيين والإيرانيين، يبدو أن أكبر المستفيدين من اتفاق السلام هذا - أو مذكرة التفاهم - هي إيران.. ويعود ذلك إلى أن إيران تمتلك في هذه المفاوضات قدراً أكبر قليلاً من النفوذ مقارنة بالولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، من المرجح أن النظام الإيراني أقل قلقاً من ترامب والحزب الجمهوري بشأن التداعيات السياسية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وأسعار السلع الأخرى".
مكاسب إيران
كما يبدو -في تقدير كامبل- أن الاتفاق "يتضمن عدة مكاسب اقتصادية لإيران. فمن بين هذه المكاسب، وفقاً للتقارير، الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، وهو ما يشبه إلى حد كبير بنود خطة العمل الشاملة المشتركة التي ألغى ترامب العمل بها عام 2018 (مع وجود جدل حول حجم الأصول الإيرانية التي أُفرج عنها بموجب الاتفاق)".
ويضيف: "كما تشير التقارير إلى أن الاتفاق الحالي يتضمن تخصيص 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، وهو مبلغ إذا صحّ، فسيعادل أو يقترب من حجم الناتج المحلي الإجمالي الإيراني الحالي. ومن المرجح أن يواجه هذا الحجم الضخم من أموال إعادة الإعمار انتقادات داخل الولايات المتحدة.. ومع ذلك، فإنني متشكك في هذا الوعد المتعلق بـ300 مليار دولار، إذ لا تزال مصادر هذه الأموال غير واضحة. ومن الجانب الأميركي، سيكون على الكونغرس على الأرجح إقرار أي مساهمة أميركية ضمن هذا المبلغ".
وفيما يعكس التضارب في هذا الشأن، فقد نفى ترامب يوم الاثنين صحة التقارير التي تفيد بدراسة واشنطن إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإيران كجزء من اتفاق لإنهاء الحرب، وذلك بعد تصريحات نائبه جي دي فانس بأن الإيرانيين "قد يحصلون على صندوق لإعادة الإعمار بهذه القيمة".
وينظر قطاع عريض من الأميركيين إلى أن الاتفاق لا يشكل نصراً لأميركا، وهو ما يحرج إدارة ترامب. حتى أن كامبل يقول إنه "من المرجح أن يحقق الإيرانيون مكاسب سياسية إذا كان الاتفاق مشابهاً لما يتم تداوله في التقارير. فإلى جانب قدرتهم على الادعاء بأنهم صمدوا عسكرياً في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، يمكنهم أيضاً الإشارة إلى المكاسب الناتجة عن الإفراج عن الأموال المجمدة، والأموال الموعودة لإعادة الإعمار، ورفع العقوبات".
ترنح شعبية ترامب
على الصعيد الاقتصادي، كانت أكبر مشكلة واجهها ترامب مع الحرب هي أنها أدت إلى قفزة حادة في التضخم؛ حيث ارتفع معدل الزيادة السنوية لمؤشر أسعار المستهلك من 2.4% في فبراير/ شباط إلى 4.2% في مايو/ آيار.
ويبلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4.07 دولار، مقارنةً بـ 3.13 دولار قبل عام، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية (AAA).
وتبعاً لذلك، ترنحت شعبية الرئيس ترامب بشكل حاد تحت وطأة التضخم والاقتصاد، طبقاً لما أظهرته عديد من استطلاع الرأي. فيما أظهر استطلاع حديث ارتفاعاً محدوداً في معدل التأييد (بنسبة مئوية واحدة في الأيام الأخيرة) ليصل إلى 36% مع تراجع حدة الاستياء الشعبي من تكلفة المعيشة، وذلك وفقاً لاستطلاع رأي أجرته رويترز/إيبسوس وانتهى يوم الاثنين.
جمع الاستطلاع الذي استمر أربعة أيام ردوداً قبل وبعد إعلان ترامب يوم الأحد أنه والقادة الإيرانيين اتفقوا على إنهاء الحرب بين البلدين والتي أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين بشكل حاد.
يُبدي نحو 24% من الأميركيين حالياً رضاهم عن إدارة ترامب لتكاليف المعيشة، ارتفاعاً من 22% قبل أسبوع و20% قبل شهر. في المقابل، انخفضت نسبة الرافضين إلى 69% في أحدث استطلاع للرأي أجرته رويترز/إيبسوس، بعد أن كانت 73% قبل شهر. وهي أرقام لا تزال مخيبة بالنسبة للرئيس الأميركي.
اقرأ أيضاً:
الولايات المتحدة.. "ضريبة" الحرب الأميركية الإيرانية بدأت تؤثر على الشركات والمستهلكين
الأميركيون في ورطة مالية.. الضغوط تتزايد وسط الديون وغلاء الأسعار
التداعيات الداخلية
الخبيرة الاستراتيجية في شركة هيل آند ستيت ستراتيجيز Hill and State Strategies، أليسا باتشيلور-كوزي (وهي سياسية تنتنمي للحزب الديمقراطي) تقول لـ CNBC عربية: "في حين أننا لا نعرف بعد جميع تفاصيل الاتفاق المقترح بين الولايات المتحدة وإيران، فإن ما نعرفه هو أن الولايات المتحدة جُرّت إلى حرب متهورة وغير ضرورية؛ فقد أنفقت إدارة ترامب، بصورة غير مسؤولة، ما يقرب من 30 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، وعرّضت أفراد الخدمة العسكرية الأميركية للخطر، وتسببت في خسائر مدنية فادحة لا يمكن تبريرها".
وتضيف: "والآن، بعد كل ذلك، تشير التقارير إلى وجود اتفاق سلام مطروح على الطاولة، بموجبه ستقدم الولايات المتحدة مليارات الدولارات لإيران، بينما ستحتفظ إيران بجزء أو بكل برنامجها الخاص باليورانيوم، في حين أن فكرة تغيير النظام التي دفعت بها إدارة ترامب قد فشلت تماماً".
وكان الرئيس الأميركي، قد كذب -في تدوينة له عبر تروث سوشيال يوم الاثنين- تلك الرواية المرتبطة بتقديم واشنطن أي أموال لإيران بموجب الاتفاق. وكتب ترامب: "لقد وافقت إيران على عدم امتلاك سلاح نووي مطلقًا! كما أن قصة دفع الولايات المتحدة 300 مليون دولار لإيران هي أخبار كاذبة، نشرها الديمقراطيون".
وبالعودة لحديث السياسية الديمقراطية، فإنها تستطرد قائلة: "لا أستطيع الجزم بمن انتصر في هذا الاتفاق، لكنني أستطيع القول إن الشعب الأميركي ليس هو الفائز في ظل إدارة ترامب الثانية؛ فالأميركيون يواجهون اقتصاداً يعاني من الركود التضخمي، وأسعار وقود باهظة، ونمواً سلبياً صافياً في الوظائف".
وتعتقد بأن "هذه الحرب كانت مجرد تشتيت مفتعل للانتباه عن حقيقة أن الرئيس ترامب لا يزال متورطاً بدرجة كبيرة بسبب علاقته الشخصية بجيفري إبستين، ولم يقدم حتى الآن إجابات ترضي الرأي العام الأميركي بشأن الأسئلة المطروحة حول هذه العلاقة"، على حد وصفها.
كما تعتقد بأن "السبب الوحيد لحدوث هذا الاتفاق الآن هو أن الجمهوريين قلقون من ردود الفعل العكسية التي سيواجهونها في صناديق الاقتراع خلال نوفمبر/ تشرين الثاني.. وبطريقة أو بأخرى، سيتعين على الرئيس أن يجيب أمام الشعب الأميركي".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي