يلف فيروس كورونا البلاد كلها و لم يوفر بقعة في الكرة الارضية الا و دخلها. الفيروس يضرب على شكل موجات، فبينما بعض البلاد لا تزال تعاني من الموجة الاولى، دخلت بلاد اخرى مثل اوروبا الموجة الثانية مما يعيد إلى الأذهان سلوك الأنفلونزا الإسبانية (1918-1920) حين كان انتشار العدوى في الموجة الثانية أسوأ بكثير من الموجة الأولى.
و قد حذرت مصادر بمنظمه الصحة العالمية من إحتمال ان لا يختفي فيروس كورونا نهائيا حتى مع وجود لقاح, بل قد يصبح مستوطنا بيننا مثل فيروس الانفلونزا الاسبانية الذي لا زالت سلالته المعروفه ب H1N1 تحل ضيفا ثقيلا علينا مع كل خريف.
أعطى الحجر الصحي و إغلاق البلاد الذي أتبعته معظم دول العالم نتائج إيجابية في الحد من انتشار العدوى. لكن الثمن كان باهظا، اذ كان له تداعيات سلبية كبيرة على إقتصاد الدول و الأفراد عدا عن الآثار الإجتماعية و النفسية. و قد اصبح واضحا انه لا يمكن الإستمرار بالهروب من المواجهة لفترات طويلة، و لا بد من الخروج و التعايش مع الفيروس مع أخذ الاحتياطات الوقائية.
سمحت الإجراءات الإحترازية من تباعد إجتماعي و منع التجمعات و الإكتظاظ بإلتزام بمسافة الأمان اقله متر بين الأشخاص، و كذلك التعقيم و غسل اليدين بالتعايش الى حد ما مع الفيروس.
إلا أن العامل الأهم الذي أحدث الفرق كان تعميم إستعمال الكمامات، فالدول الآسيوية التي استعملت الكمامات مبكرا مثل اليابان و كوريا و تايوان و هونغ كونغ توقفت عندها الإصابات بفيروس كورونا مبكرا.
كما ان الدول التي فرضت ارتداء الكمامات مثل إيطاليا و ألمانيا و فرنسا انخفضت فيها بشكل ملحوظ نسبة الإصابات. كذلك فإن الإلتزام المجتمعي بإرتداء الكمامة جعل المصابين يتعرضون للعدوى بحمولة جرثومية أقل و بالتالي لإصابات أقل خطورة و انعكس ذلك في انخفاض عدد الحالات الحرجة و نسبة الوفيات.
من شأن الكمامات أن تحمي إلى حد كبير الأشخاص الذين يرتدونها من الإصابة بفيروس كورونا، فإذا ما استعملت بالشكل الصحيح تمنع المصابين خاصة الذين لم تظهر عليهم العوارض بعد من نقل العدوى إلى الآخرين عن طريق إستنشاق الرذاذ الحامل للفيروس بالفم أو بالأنف، و هذا ما أكدته مقالة نشرت بتاريخ 26/06/2020 في مجلة Science.
و قد أوصت منظمة الصحة العالمية بداية بإرتداء الكمامة فقط للعاملين في الحقل الطبي، و للمصابين بفيروس كورونا، والقائمون على رعاية أشخاص مصابين بحالات كوفيد-19 مؤكدة أو مشتبه فيها.
لاحقا اوصت المنظمة بإرتداء الكمامة غير الطبية (fabric masks) حتى للأشخاص المعرّضين لخطر العدوى في المناطق التي فيها تفشي مجتمعي واسع لفيروس كورونا و التي يتعذر فيها ضمان احترام مسافة السلامة على الأقل متر بين الأشخاص.
وتضمّ هذه الفئة الأشخاص ما فوق سن الستين و الأشخاص ضعيفي المناعة عند خروجهم من المنزل. كذلك أصحاب المهن الذين هم على تماس مباشر مع عدد كبير من الأشخاص مثل عمال المقاهي و المطاعم و غيرها.
و ايضا كل المتواجدين في أماكن مكتظة مثل وسائل النقل العام و المتاجر و المرافق العامة، و المتواجدين في تجمعات عامة كالمظاهرات و الاحتفالات و غيرها. اما بالنسبة للأطفال فقد رفعت المنظمة سن إرتداء الكمامة إلى ١٢ سنة، مع إبقاء الإلتزام بها اختياريا في ظروف معينة للأطفال من سن ٥ إلى ١١ سنة. و لا توصي المنظمة بإرتداء بالكمامة لمن هم تحت سن الخامسة.
استطاعت كثير من الدول تخطي أزمة كورونا بمعادلة (الكمامة+ التباعد + التعقيم). و قد سمحت هذه المعادلة بالتعايش مع الفيروس و العودة إلى حياة شبه طبيعة و تجنب الحجر الصحي المجتمعي و إغلاق البلاد مع كل ما يحمل من آثار سلبية.
أدى ذلك الى عودة الحركة التجارية و السياحية و تحريك عجلة الاقتصاد. كما سمحت للطبقات الفقيرة بالخروج من المنزل و طلب الرزق شرط الالتزام بالكمامة و التباعد. تبقى هذه المعادلة الحل الأمثل الذي اثبت فاعليته حتى الآن لقطع سلسة العدوى و وقف انتشار المرض و هو حلّ قابل للتطبيق في معظم بلدان العالم إذا ما توفرت اعداد كافية من الكمامات.
إذا ينبغي استخدام الكمامات في إطار استراتيجية شاملة من التدابير لوقف انتشار العدوى، مثل التباعد الإجتماعي و الحفاظ على مسافة السلامة كما الحرص على تنظيف اليدين وتحاشي لمس الوجه، وصولا الى فرض الحجر الصحي و إغلاق البلاد إذا استدعى الامر.
ربما ارتداء الكمامة لن يحميك مئة بالمئة، لكن ستحمي غيرك، فإذا ما قام كل منا بواجب حماية الآخرين نكون قد حمينا أنفسنا و غيرنا من خطر هذا الفيروس الماكر. احمِ غيرك تحمي نفسك.