مغذيات التربة.. بين كفتي الكمية والنوعية

يتحدث الكثير منا عن الأسمدة دون معرفة  تفصيلية لمكونات هذه المادة وتأثيراتها على التربة. الأسمدة قد تكون مواد كيمائية وعضوية ويمكن أن تكون بشكل غبار أو حبوب وهي تحتوي على مكونات كيميائية منها ما يساعد على نمو المحصول وتحسين خصوبة التربة  ما يجعلها أكثر استعداداً لإنتاج نبات قوي وذو جودة عالية، و منها ما يحمي النبتة من الأمراض المستحدثة.

أصبحت تلك المواد وبكافة أنواعها ضرورية في زراعة  وإنتاج المحاصيل في أي بلد في العالم، حيث بات من الصعب  انتاج محصول عالي الجودة وبالكميات اللازمة مع تزايد الاستهلاك العالمي من دون استخدامها.  

وهذا ينقلنا للحديث عن أهم الأنواع المستخدمة على نطاقات واسعة حول العالم.

نبدأ بالمخصبات العضوية التي تأتي من مصادر حيوية تأتي بشكل طبيعي دون اللجوء إلى الإضافات الصناعية وتشمل السماد، والطين، والسبائك الدودية، والأعشاب البحرية.

وكانت مياه الصرف الصحي تستخدم في العمليات الزراعية العضوية في دول عديدة منها الولايات المتحدة ولكنها أصبحت محدودة جدا ونادرة نظرا لحظرها بسبب تراكم المعادن السامة، وانتقال الأمراض المعدية.

لكن بالمقابل تعتبر  المخصبات الحيوية، مصادر غذائية للنبات رخيصة الثمن بديلا من استخدام الأسمدة المعدنية والتي لها الأثر في تلوّث البيئة. وتنتج هذه المخصّبات من الكائنات الحية الدقيقة وتستعمل كلقاح حيث تُضاف إلى التربة الزراعية أما نثرا أو بخلطها مع التربة أو مع بذور النبات عند الزراعة.

أما في مجال  الأسمدة الكيمياوية فهي تنقسم لثلاث أنواع رئيسية الا وهي الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية ولصناعتها يجب توفر مواد أساسية وهي الغاز الطبيعي والفيول والفحم والخامات الفوسفاتية والكبريت وخامات البوتاسيوم وهناك مواد أخرى ثانوية هي المنغنيز والكالسيوم والزنك والحديد والنحاس وغيرها.

يستهلك العالم الأسمدة الثلاث بنسب مختلفة فيبقى السماد النيتروجيني هو الأكثر استعمالاً كل عام فتتجاوز كميات السماد النيتروجي المستهلكة مقارنة بالفوسفاتي والبوتاسي  نسبة 55% من مجمل الاستهلاك السنوي.  

ولكن انتاج أي نوع من الأسمدة يحتاج أساسا لكميات كبيرة من الغاز الطبيعي، حيث تؤكد  التقارير الرسمية للهيئات المعنية أن الغاز يمثل 80% من تكلفة صناعة الأسمدة.

وهنا يكمن سر قوة المتحكمين بهذه السوق العالمية . وهنا نفهم أن غياب  الغاز أو غلاءه يعني نفس الشيء بالنسبة للأسمدة.

أما بالنسبة لمراحل تطور تلك الصناعة، يمكن العودة إلى أوائل القرن العشرين عندما اكتشف العلماء كيفية تحويل غاز النيتروجين من الغلاف الجوي إلى مركبات يمكن استخدامها لتخصيب التربة وتسمى بعملية Haber-Bosch، التي تتطلب كميات كبيرة من الوقود، مما اضطر المصنعون للبحث عن بدائل جديدة لتحسين ترشيد استهلاك الطاقة.  مما ساعد بإدخال الكثير من التعديلات.

وتقليل متطلبات درجة الحرارة أي استهلاك أقل للطاقة  وزيادة في  النقاء . جاء ذلك عبر إدخال رواسب صخور فوسفاتية جديدة قابلة للتعدين. 

في الوقت الراهن، تستمد المحاصيل الزراعية الفوسفور في هيئة أسمدة كيماوية، لكن توافر تلك الأسمدة أصبح على المحك، وخاصة بعد ارتفاع أسعار الفوسفور في عام 2008 بشكل كبير نتيجة ارتفاع أسعار الخام الصخري، الذي تستخرج منه تلك المادة.

وبهذا الصدد  تسيطر خمس دول فقط على 88% من الاحتياطي المتبقي من خامات الفوسفات، بحسب معهد المستقبل المستدام التابع لجامعة سيدني للتكنولوجيا. 
 
ومن جانب آخر ولجعل الأسمدة أكثر استدامة ، يتم العمل على تحسين كفاءة استخدام المغذيات حيث تعمل الصناعة على تطوير تقنيات لإنتاج الأمونيا الخضراء من مدخلات مستدامة ومحايدة للكربون من خلال العمليات الكهروكيميائية وأجهزة التحفيز الضوئي.

كما تشمل مجالات الابتكارات الأخرى تطوير متغيرات المنتجات التي تعمل على تحسين مرونة النبات في مواجهة الفيضانات والجفاف.

وبصرف النظر عن هذا ، فإن صناعة الأسمدة منظمة للغاية ومراقبة من قبل الحكومات في مختلف الدول.

وعليه تتوقع مجموعة IMARC أن يصل السوق إلى 203.5 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2027، مع إظهار معدل نمو سنوي مركب بنسبة 3.9% خلال الفترة 2022-2027.

ولكن رغم نجاعة النتائج التي تضمنها الأسمدة الكيمياوية على مستوى الكمية إلا أن الضرر الكبير التي باتت تلحقه بالأرض وجودة المياء جعل العديد من الدول تتجه نحو التعويل أكثر على الأسمدة العضوية اي الزراعة العضوية.  

وعليه تتمثل الزراعة العضوية في  عدم استخدام  الأسمدة الكيماوية والمبيدات والهرمونات و المتغيرات الجينية بل بالاعتماد على القدرة الطبيعية المكتسبة في مقاومة الأمراض والآفات والزراعة العضوية.

شجّع العديد من البلدان الزراعة العضوية ففي الاتحاد الأوروبي تضمنت استراتيجية حماية التنوع البيولوجي عبر جميع مراحل الإنتاج الزراعي، هدفا يُلزم دول الاتحاد بخفض استخدام الأسمدة الكيمائية بنسبة 20٪ وهدفا آخر بتخصيص ما لا يقلّ عن 25% من الأراضي  للزراعة العضوية.

أصبح العالم  في القرن  الأخير  يعول على الأسمدة الكيمياوية في الزراعة بشكل أساسي.

فمع  تسارع ارتفاع عدد سكان الأرض  بشكل جنوني ليتجاوز 7.7 مليار نسمة سنة  2020بعد ما كان في حدود 1.7 نسمة منذ قرن بالضبط وهنا تأتي ضرورة تأمين الغذاء بالكميات اللازمة.

واقع وضع البشرية امام حتمية توفير الغذاء و لم يكن أمام العالم الا خيار واحد و هو  استعمال الأسمدة الكيمياوية.

ففي تسعينيات القرن الماضي كان معدل استهلاك الأسمدة لايتجاوز 90 مليون طن متري سنويا ليصل   سنة 2008 الى  حدود 150 مليون طن متري ويبلغ  170 مليون طن متري سنة 2015 ولكن آخر الاحصائيات الرسمية قبل جائحة كورونا تفيد بأن الاستهلاك العالمي استقر منذ 2020 على استهلاك 200 مليون طن متري أي ان استعمال العالم للاسمدة ارتفع بـأكثرمن 25% في القرن الأخير.

وبحسب ما تطالعنا به الأرقام والمعطيات فهي تقودنا إلى مفهوم اساسي بأن نفهم الأسمدة للزراعة باتت لا تقل أهمية عن الماء والدواء بالنسبة للبشر، ووجود عدد محدد من الدول مهيمنا على مستويات الإنتاج يزيد من مستويات المخاطر في حال حدوث اضطرابات أو توترات غير محسوبة في تلك المناطق. 

المزيد ملفات

    المزيد ملفات