الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لـ CNBC عربية:
-نحو 4 ملايين نازح داخلي غادروا الخرطوم خلال الحرب وأكثر من مليون شخص عادوا إليها بالفعل
-الاقتصاد السوداني تكبّد انكماشاً يُقدَّر بين 40 و50% خلال العامين ونصف العام الماضيين
-الإيرادات الحكومية تراجعت بنسبة تتراوح بين 70 و80% نتيجة الحرب وتداعياتها
-معدلات الفقر في السودان تضاعفت تقريباً في ظل أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم حالياً
-كلفة إعادة إعمار السودان تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات مقارنة بموارد محدودة للغاية
-الاستثمارات الكبرى وإعادة الإعمار الشامل مرتبطتان بإحلال السلام واستعادة الاستقرار الأمني
قال الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، لوكا ريندا، لـ CNBC عربية إن قرار الحكومة السودانية البدء بالانتقال التدريجي للعمليات ووظائف المؤسسات الرئيسية إلى العاصمة الخرطوم يُعد خطوة بالغة الأهمية، تحمل رسالة واضحة للشعب السوداني بأن المدينة تتجه نحو التعافي التدريجي، وأن العودة الآمنة للنازحين أصبحت ممكنة.
وأوضح ريندا أن الخرطوم كانت نقطة الانطلاق لمعظم حالات النزوح الداخلي، حيث غادرها نحو 4 ملايين شخص خلال فترة الحرب، مشيراً إلى أن أكثر من مليون شخص عادوا بالفعل إلى العاصمة، التي تتكون من ثلاث مدن رئيسية: الخرطوم، وأم درمان، والخرطوم بحري. وأضاف أنه زار الخرطوم ثلاث مرات خلال الأشهر الماضية، ولاحظ تحسنأً ملموساً في الأوضاع والخدمات.
وأشار ريندا إلى أن هذه الخطوة تعكس نية الحكومة الاستثمار في استعادة الخدمات الأساسية، وتنشيط النشاط الاقتصادي، بما يسهم في تسهيل العودة التدريجية للمواطنين وإعادة بناء سبل عيشهم.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد ريندا أن الحرب كان لها أثر مدمر على اقتصاد السودان، إذ يُقدّر أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة تتراوح بين 40 و50% خلال العامين ونصف العام الماضيين، فيما تراجعت الإيرادات الحكومية بنحو 70 إلى 80%. كما أشار إلى أن معدلات الفقر تضاعفت تقريبًا، في ظل ما وصفه بـ "أكبر أزمة نزوح في العالم"، مع اقتلاع نحو 14 مليون شخص من ديارهم.
وأضاف أن الموازنة الأخيرة أظهرت تركيزاً على زيادة الاستثمار في الخدمات الأساسية، مدعوماً بإدارة أكثر دقة للإيرادات المحلية، إلا أن فجوات التمويل لا تزال كبيرة جداً، خاصة أن كلفة إعادة الإعمار قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، مقارنة بالموارد المتاحة حالياً
وشدد ريندا على أهمية التركيز في المرحلة الراهنة على إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، ودعم التعافي الاقتصادي، لا سيما للشركات الصغيرة والتعاونيات والأفراد الذين يسعون لاستعادة حياتهم، مؤكداً أن الاستثمارات الكبرى لن تتدفق إلا عندما يشعر المستثمرون بوجود استقرار وأمن كافيين.
وفيما يتعلق بالوضع الإنساني، أشار إلى أن القتال لا يزال مستمراً في أجزاء من السودان، خصوصاً في شمال دارفور حول مدينة الفاشر، وكذلك في مناطق من كردفان، حيث تستمر موجات النزوح وسقوط الضحايا، ما يجعل المساعدات الإنسانية أولوية قصوى في تلك المناطق.
في المقابل، أوضح أن هناك مناطق أخرى بات التعافي فيها ممكناً، مستشهداً بولاية الجزيرة، التي وصفها بسلة غذاء السودان، حيث نفّذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مشاريع لإعادة تأهيل شبكات المياه باستخدام الطاقة الشمسية.
وبيّن أن 37 مشروع مياه تم تشغيلها بالكامل بالطاقة الشمسية وتُدار بالشراكة مع المجتمعات المحلية، ما أحدث تحولاً جذرياً في حياة السكان.
كما أشار إلى إنشاء محطة أكسجين كبيرة في مستشفى مدينة المناقل تخدم أكثر من مليوني شخص، وتوفر الأكسجين على مدار الساعة، ما أسهم في إنقاذ الأرواح وتعزيز النظام الصحي في الولاية والمناطق المحيطة بها.
وحول التمويل الدولي، قال ريندا إن البيئة العالمية للمساعدات الإنسانية والتنموية باتت أكثر صعوبة، موضحاً أن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان في العام الماضي لم تُموّل سوى بنسبة 35%، بينما تبلغ قيمة خطة هذا العام نحو 2.5 مليار دولار، معرباً عن أمله في استمرار تدفق المساعدات، خاصة في المناطق التي لا يزال النزاع مستعراً فيها.
وأكد أن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي تواصل تقديم دعم حيوي للسودان عبر آليات تنفيذ غير مباشرة، بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية. كما أشار إلى وجود اهتمام استثماري متزايد من دول تربطها علاقات ودية بالسودان، مثل السعودية وتركيا ودول الخليج ومصر.
وختم ريندا بالقول إن التعافي الحقيقي وإعادة الإعمار الشاملين لن يتحققا إلا مع إحلال السلام، واستعادة الاستقرار، وتوفير بيئة آمنة تحمي الاستثمارات وتضمن استدامتها.