استمرت منطقة الساحل الأفريقي خلال العام 2024 كإحدى المناطق المثيرة لاهتمام القوى الدولية، والتي يساعد المناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي فيها على عمل بعض تلك القوى على محاولة بسط نفوذها بالطرق المختلفة.
وبينما تشهد الفترة الأخيرة أفول نجم فرنسا في تلك المنطقة مع انسحاب قواتها العسكرية مؤخراً من عدد من الدول، فإن دول أخرى تشهد زيادة في نفوذها في ظل انتقال الصراعات بينها على تلك البقعة الأفريقية من بينها الولايات المتحدة، وروسيا، والصين.
منطقة الساحل الأفريقي وأهميتها
تعد منطقة الساحل الأفريقي إحدى النقاط الساخنة في العالم ومناطق الصراع على بسط النفوذ منذ عقود عدة، خاصة في ظل عدم استقرار تلك المنطقة سياسياً واقتصادياً.
تفصل منطقة الساحل الأفريقي بين شمال أفريقيا وجنوبها، وتقع بين الصحراء الكبرى في الشمال، والغابات في أفريقيا جنوب الصحراء جنوباً، وتمتد من البحر الأحمر شرقاً وحتى المحيط الأطلسي غرباً وتضمن عدداً من الدول من بينها مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وموريتانيا وجنوب السودان وإريتريا ونيجيريا وأفريقيا الوسطى، والكاميرون، وغينيا.
ولمنطقة الساحل أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة فهي تقع بين منطقة الصحراء الكبرى التي تمثل مورداً كبيراً ومهماً للطاقة؛ وبين منطقة السافانا التي تمتلك موارد متنوعة من بينها النفط، والغاز الطبيعي، والذهب، والنحاس، واليورانيوم، بالإضافة إلى الموارد المرتبطة بالزراعة وتربية المواشي وغيرها، بحسب دراسة للمركز الأفريقي للأبحاث ودراسات السياسات.
ومع موقع جغرافي يمتد على امتداد عرض القارة الأفريقية فهي ذات أهمية استراتيجية داخل أفريقيا، كما تعتبر طريقاً يربط بين الهند والبحر الأحمر والخليج العربي شرقاً، والأميركتين الشمالية والجنوبية غرباً، إلى جانب مرور العديد من الطرق التجارية بها.
النفوذ الفرنسي
اتسمت منطقة الساحل على مدار عقود بحالة من عدم الاستقرار والناتجة عن الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وندرة المياه، والتحديات التي تفرضها جماعات التمرد والإرهاب وسوء الإدارة والانقلابات العسكرية المتكررة في تلك المنطقة، بحسب مركز Solace Global البريطاني للدراسات.
وظلت المنطقة لعشرات السنوات تحت نفوذ فرنسي كبير والذي له يضرب بجذور تاريخية تعود لكون أغلب دولها مستعمرات فرنسية قبل الاستقلال، وزاد هذا النفوذ خلال العقد الماضي مع تواجد قوات فرنسية في تلك الدول تحت حجة مكافحة الجماعات الإرهابية قبل أن تتعرض تلك النفوذ لقرارات صادمة في المنطقة خلال السنوات والشهور الأخيرة.
فمع تصاعد حالات عدم الاستقرار منذ عام 2011 مع قيام الاحتجاجات في ليبيا، وانتشار حركات التمرد والإرهاب في المنطقة، نشرت فرنسا قوات عسكرية في العامين 2014 و2018 في ما يعرف بدول الساحل الخمسة والتي تضم مالي وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر وموريتانا.
لكن مع حدوث عدة انقلابات عسكرية في السنوات الأخيرة في دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، طلبت تلك البلاد خروج القوات الفرنسية منها، كما ألغت تشاد اتفاقية الدفاع المشترك مع فرنسا مؤخراً وطلبت خروج قوات فرنسية منها، وأعلنت السنغال عزمها اتخاذ نفس الخطوة.
الحضور الأميركي في المنطقة
في العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة زاحمت الولايات المتحدة وروسيا فرنسا على النفوذ في تلك المنطقة مع تركيز اهتمام الدولتين عليها نظراً لما مثلته لهما من أهمية كبيرة مع تغير سياساتهما ناحيتها.
أصبحت الشؤون في أفريقيا موضع اهتمام أميركي وبرامجها الاستراتيجية عبرأدواتها الاقتصادية والعسكرية آلياتها الاقتصادية والعسكرية، وفي ظل محورية تأمين الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة وجدت في منطقة غرب أفريقيا بدائل لخفض اعتمادها على النفط، بحسب دراسة المركز الأفريقي.
وضخت الشركات الأميركية استثمارات ضخمة في تلك الدول، وهو ما أدى إلى استحواذ شركتي إكسون موبيل، وشيفرون الأميركيتين، وبتروناس الماليزية على نحو ثلثي استثمارات النفط في تشاد، إلى جانب تصدير نحو 38% من النفط النيجيري إلى الولايات المتحدة.
وعلى المستوى الأمني والعسكري، كان للولايات المتحدة عدة مبادرات بالاتفاق مع عدد من الدول في منطقة الساحل من أجل وضع قدميها في المنطقة عسكرياً وتواجد قوات أميركية بها بحجة محاربة الجماعات الإرهابية وتجارة المخدرات، والدعم والتدريب العسكري، وغيرها.
العودة الروسية إلى أفريقيا ومنطقة الساحل
مع تولي الرئيس الحالي فلاديمير بوتين الحكم في روسيا مع بدايات القرن الجاري عمل على عودة النفوذ الروسي إلى أفريقيا كإحدى مناطق الثقل التي يجب أن تحظى بالحضور الروسي في ظل الدعوة الروسية لعالم متعدد الأقطاب.
تغلغلت روسيا اقتصادياً وعسكرياً خلال السنوات الأخيرة في أفريقيا من خلال أنشطة التعدين والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، أو صفقات بيع الأسلحة، واتفاقات الشراكة العسكرية سواء عن طريق وزارة الدفاع الروسية، أو الشركة شبه العسكرية المعروفة بقوات فاغنر، والتي كان لها دور ملحوظ في قتال الجيش في مالي ضد الجماعات المسلحة في البلاد مؤخراً.
الصين تزاحم في سباق النفوذ
لم تترك الصين الدول الكبرى تتنافس وحدها على النفوذ في أفريقيا ومن ضمنها منطقة الساحل، حيث شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في العلاقة بين العملاق الآسيوي والقارة الأفريقية بشكل كبير، لتتحول مؤخراً من التركيز على الجانب الاقتصادي في المقام الأول إلى عقد الشراكات السياسية الاستراتيجية.
طرحت الصين مبادرات استثمرت من خلالها في البنية التحتية بالقارة الأفريقية من بينها مبادرتها الرئيسية الكبيرة الحزام والطريق، كما تعهدت بدعم دول القارة بعشرات المليارات من الدولارات وهو ما أدى إلى زيادة نفوذها في أفريقيا، بحسب دراسة لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.
وكشف تقرير صيني في أغسطس/ آب عن أن الصين ظلت أكبر شريك تجاري لأفريقيا للعام الـ15 على التوالي خلال السنة الماضية، كما ارتفعت نسبة التجارة الصينية الإفريقية في إجمالي التجارة الخارجية للقارة السمراء بشكل مطرد.
وسجل حجم التجارة بين الصين وأفريقيا خلال العام الماضي 282.1 مليار دولار، محققاً رقماً قياسياً جديداً للعام الثاني على التوالي. كما تجاوزت قيمة الاستثمار المباشر للصين في أفريقيا تجاوز 40 مليار دولار حتى نهاية عام 2023.
اقرأ أيضاً: مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي: 68 مليون شخص يعانون من الجفاف في المنطقة
أبرز التطورات في منطقة الساحل خلال 2024
ومع اقتراب العام 2024 من نهايته، شهدت السنة الأخيرة العديد من تطورات الأحداث في منطقة الساحل والتي أبرزت استمرار هشاشة الأنظمة الحكومية لتلك الدول في محاربة الجماعات الانفصالية والإرهابية، إلى جانب المزيد من تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة، وانتقال الصراع الروسي الأوكراني إليها خاصة في الحرب الدائرة في دولة مالي.
- اشتباكات "تين زواتين"
تعرض الجيش المالي وقوات فاغنر الروسية التي تدعمه لخسائر بشرية وعسكرية كبيرة في شمال مالي في اشتباكات مع مجموعات مسلحة تابعة للحركات الأزوادية الانفصالية في مدينة "تين زواتين" أقصى شمال مالي بالقرب من الحدود الجزائرية خلال شهر يوليو/ تموز الماضي.
وذكر التنظيم الممثل لتلك الحركات، خلال بيان صدر في بدايات أغسطس/ آب، أن تلك الاشتباكات أدت إلى مقتل 84 عنصراً من المجموعة الروسية، و47 من الجيش المالي، وتدمير ست مدرعات وناقلات جنود وتحطم مروحية، وعتاد عسكري آخر. وأقرت فاغنر في بيان تكبدها خسائر بشرية خلال تلك الاشتباكات.
ورد الجيش المالي على تلك الاشتباكات بالإعلان عن عملية جوية مشتركة في تلك المنطقة بالتعاون مع بوركينا فاسو.
اقرأ أيضاً: هذه الدولة الأفريقية تعتزم سحب تصاريح إنتاج الذهب من شركات أجنبية
- اعتراف أوكراني ضمني بمساعدة الانفصاليين
ذكر ممثل جهاز المخابرات العسكرية الأوكرانية، أندريه يوسوف، خلال تصريحات للتليفزيون الأوكراني في أواخر يوليو/ تموز، أن مقاتلي الجماعات الانفصالية في شمال مالي تلقوا المعلومات "الضرورية" لتنفيذ العملية العسكرية ضد الجيش المالي وقوات فاغنر.
وقال أندريه يوسوف في تصريحاته: "المتمردين تلقوا كل المعلومات الضرورية، مما مكنهم من إجراء عملية عسكرية ناجحة ضد مجرمي الحرب الروسيين".
ويعد ذلك تلميحاً إلى انتقال الصراع الروسي الأوكراني إلى خارج أرض المعركة المباشرة بين الطرفين والتي اندلعت في فبراير/ شباط 2022.
- قطع العلاقات مع أوكرانيا
في الأيام الأولى من شهر أغسطس/ آب، وبعد تلك التصريحات وإظهار دعم سفير أوكرانيا في السنغال لها، قررت حكومتا مالي والنيجر قطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا.
وقال المتحدث باسم الحكومة في مالي، عبد الله مايغا، عبر بيان بثه التلفزيون الرسمي، إن الحكومة قررت "قطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا بمفعول فوري".
وتابع قائلاً: "التأكيدات الخطيرة للغاية، والتي لم تكن موضع أي إنكار من السلطات في أوكرانيا، تظهر الدعم الرسمي الواضح من الحكومة الأوكرانية للإرهاب في أفريقيا ومنطقة الساحل، وتحديداً مالي".
اقرأ أيضاً: بقيمة 300 مليون دولار.. هذه الدولة الأفريقية تتطلع لتمويل جديد من البنك الدولي
- إلغاء تشاد اتفاقية الدفاع المشترك مع فرنسا
في إشارة جديدة على المزيد من تقلص النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي، قررت الحكومة التشادية أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلغاء اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري المشترك مع فرنسا.
ومنذ أيام فقط سحبت فرنسا مقاتلات عسكرية من تشاد بناءً على هذا القرار، وقال الجيش الفرنسي في بيان يوم الأربعاء 11 ديسمبر/ كانون الأول، إن سحب الطائرات جاء بعد أن القرار التشادي إنهاء العمل باتفاقية التعاون الأمني والعسكري مع فرنسا يوم 28 نوفمبر، وأن وجود تلك الطائرات "كان تلبية لحاجة سبق للشريك التشادي التعبير عنها".
وبحسب ما قاله وزير الخارجية في تشاد، عبد الرحمن كليم الله، عبر منشور على منصة X، فإن سحب الطائرات يعد المرحلة الأولى من سحب قوات فرنسية من بلاده
وذكرت وزارة الخارجية أنه الترحيل التدريجي للقوات البرية التي يصل عددها إلى 1000 عسكري سيحدث في الأسابيع القادمة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي