تفاقم جدل اقتصادي واجتماعي واسع في الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة حول سؤال جوهري وهو لماذا يشعر الأميركيون بأنهم أكثر فقرًا رغم أنهم، من الناحية المادية، ليسوا كذلك؟، وانطلق الجدل بعد تقدير أثار صدمة واسعة في الأوساط الاقتصادية، حين قال مدير الأصول مايكل غرين إن الأسرة الأميركية تحتاج إلى 140 ألف دولار سنويًا لتعيش "بلا ضغوط" أي أعلى بنحو 70% من متوسط الدخل الفعلي للأسر في الولايات المتحدة.
ورغم أن تحليل البيانات كشف عن أخطاء منهجية في حسابات غرين، فإن مقالته لامست شعورًا متزايدًا لدى قطاعات واسعة من الطبقة المتوسطة: الإحساس بتدهور الاستقرار المالي، حتى لو لم تُظهر المؤشرات الاقتصادية الأساسية هذا التدهور.
تكاليف أساسية ترتفع.. وميزانية تُعاد تشكيلها
تُظهر البيانات أن ما يصيب الطبقة المتوسطة الأميركية فعلاً هو ارتفاع حاد في تكاليف الخدمات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
وتشمل هذه الزيادات على المدى الطويل والقصير الرعاية الصحية "+3 نقاط مئوية من الدخل المتاح"، رعاية الأطفال "+2 نقطة"، السكن "+4 نقاط"، والطعام "+1 نقطة"، وبهذه الزيادات، ارتفعت حصة الإنفاق الإلزامي من ثلث الدخل المتاح للأسر المتوسطة إلى نحو النصف، وهو تغيير كبير في تركيبة الميزانية العائلية الأميركية، وفق فايننشال تايمز.
أقرأ أيضاً: ماسك: روبوت أوبتيموس سيقضي على الفقر وسيزيد حجم الاقتصاد العالمي
لكن المفارقة هي أن الإنفاق الإجمالي للأسر الأميركية لم يرتفع عن مستواه التاريخي؛ بل إنه في بعض الأحيان أقل مما كان عليه عندما كانت تلك الخدمات أرخص بالقيمة الحقيقية. فقد ساهم الانخفاض الكبير في أسعار الملابس والإلكترونيات والأجهزة المنزلية — نتيجة الإنتاج واسع النطاق والعولمة — في تعويض ارتفاع تكلفة الخدمات الحيوية.
دروس عالمية: ارتفاع الأسعار علامة على الازدهار
لا يقتصر هذا النمط على الولايات المتحدة. فجميع الاقتصادات المتقدمة تقريبًا تشهد الظاهرة نفسها وهي ارتفاع تكلفة الخدمات الأساسية مقابل انخفاض أسعار السلع المصنعة، ورغم أن ذلك يبدو كأنه دليل على تراجع مستوى المعيشة، إلا أن الاقتصاديين يشيرون إلى أنه دليل على ازدهار اقتصادي أعمق.
ويعود ذلك إلى مفهوم اقتصادي قديم وضعه ويليام بومول عام 1967، يفيد بأن الإنتاجية ترتفع بسرعة في القطاعات الصناعية، ما يخفض أسعار السلع، فيما لا ترتفع الإنتاجية بالوتيرة نفسها في الخدمات الشخصية مثل التعليم والرعاية الصحية، لأنها تعتمد على العمل البشري المباشر، ولجذب العمال إلى هذه القطاعات غير العالية الإنتاجية، يجب رفع الأجور فيها، ومع ارتفاع الأجور، ترتفع تكلفة هذه الخدمات على المستهلك، والنتيجة أنه كلما ازداد البلد ثراءً، ازدادت تكلفة الخدمات الأساسية مقارنة بالسلع الاستهلاكية.
الرعاية المنزلية بين الأمس واليوم
تقدّم رعاية الأطفال وكبار السن مثالًا صارخًا في الماضي، كان أفراد الأسرة (غالبًا النساء) يؤدون هذه الأعمال دون مقابل، لعدم وجود فرص عمل توفر دخلاً مجزيًا، أما اليوم ومع توسع فرص العمل وارتفاع الأجور، أصبح البقاء في المنزل لتقديم الرعاية خسارة مالية كبيرة، ما أدى إلى ازدهار قطاع الرعاية المدفوعة وارتفاع تكلفته، وبمعنى آخر فأن ارتفاع تكلفة الخدمات هو نتيجة مباشرة لازدياد ثروة المجتمع، وليس العكس.
الشعور وليس الأرقام… معضلة الطبقة المتوسطة
تشير البيانات إلى أن الأميركيين ليسوا أفقر مما كانوا عليه في الماضي، لكنهم يشعرون بذلك لأن الإنفاق الإلزامي أصبح يحجز مساحة أكبر من دخلهم، ما يقلّص هامش الراحة المالية. هذا الشعور حقيقي، وإن لم يكن مرآة دقيقة للأرقام الاقتصادية.
وتوضح فايننشال تايمز أن الأميركيون اليوم أكثر ازدهارًا مما كانوا عليه قبل عقود، لكنهم يشعرون بضغط مالي أكبر — لأن تكلفة الخدمات التي يعتمدون عليها ترتفع كلما ارتفع مستوى المعيشة نفسه.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي