أنهى الفدرالي الأميركي عام 2025 بقرار خفض ثالث لسعر الفائدة خلال اجتماعه الأخير في ديسمبر/كانون الأول، ليهبط النطاق المستهدف إلى 3.50–3.75% بعد سلسلة قرارات اتسمت بالتردد والانقسام داخل صفوف صانعي السياسة النقدية.
جاء الخفض الجديد بواقع 25 نقطة أساس، في خطوة تتماشى مع توقعات الأسواق، لكنها تعكس في الوقت نفسه حجم الضغوط والتحديات التي واجهها الفدرالي طوال العام، سواء على صعيد البيانات الاقتصادية أو المناخ السياسي المشحون.
عام بدأ بالتثبيت وانتهى بثلاث تخفيضات
خلال الشهور الأولى من العام 2025، استمر الفدرالي في تثبيت الفائدة عند نطاق 4.25–4.50%، وذلك في اجتماعات يناير ومارس ومايو ويونيو ويوليو، وسط إشارات متباينة من أعضاء اللجنة حول مسار السياسة النقدية. فقد فضّل فريق داخل المجلس الإبقاء على الفائدة دون تغيير لإتاحة مزيد من الوقت لعودة التضخم إلى المستوى المستهدف، بينما رأى فريق آخر أن تشديد السياسة أصبح عبئاً متزايداً على سوق العمل والنشاط الاقتصادي.
ومع حلول سبتمبر/أيلول، ظهر أول تحوّل فعلي، إذ أقدم الفدرالي على أول خفض للفائدة في 2025 بواقع 25 نقطة أساس، لينتقل النطاق إلى 4.00–4.25%، في خطوة اعتبرها محللو الأسواق آنذاك بمثابة "كسر لجدار التردد"، لا سيما بعد اقتراب التضخم من معدلاته المستهدفة عند 2%.
وبعدها بشهر واحد، وتحديداً في اجتماع أكتوبر/تشرين الأول، نفّذ الفدرالي خفضاً ثانياً للفائدة، هابطاً بالنطاق إلى 3.75–4.00%.
ثم جاء اجتماع ديسمبر ليُكمل الحلقة الثالثة من سلسلة التيسير النقدي، رغم الانقسام السابق لدى أغلب أعضاء اللجنة، وقناعة البعض بأن الاقتصاد يتجه إلى تباطؤ معتدل يسمح بخفض إضافي دون المخاطرة بعودة ضغوط الأسعار.
انقسام داخلي يربك الرسائل ويشتت الأسواق
اتسمت المناقشات داخل الفدرالي طوال 2025 بانقسام كبير بين "حمائم" يرون أن الفائدة المرتفعة باتت تُقيد الاقتصاد، و"صقور" يخشون أن يؤدي التخفيف المبكر إلى عودة التضخم. وقد انعكس هذا الانقسام بوضوح على لغة البيانات الرسمية وتباين الخطابات بين أعضاء اللجنة، ما صعّب على الأسواق تكوين صورة موحدة عن المسار المستقبلي للسياسة النقدية.
برزت كذلك أزمة الإغلاق الحكومي المؤقت التي أدت إلى تأخر صدور بعض البيانات الاقتصادية، وهو ما أضاف طبقة إضافية من الضبابية قبل اجتماع ديسمبر. فالتأخير في بيانات الوظائف والتضخم حدّ من قدرة الفدرالي على تقييم الاتجاهات الاقتصادية بدقة، وخلق ضغوطاً إضافية على صانعي السياسة لاتخاذ قرار حاسم في ظل نقص المعلومات.

اقرأ أيضاََ: كيف يُشكل الفدرالي الأميركي مسار الفائدة في 2026؟ (خاص CNBC عربية)
عام الضغوط السياسية وتآكل "هالة الاستقلالية"
لم يكن المشهد السياسي أقل تعقيداً؛ فقد واجه رئيس الفدرالي، جيروم باول، ضغوطاً متزايدة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يتردد خلال العام في مهاجمة الفدرالي والمطالبة بخفض الفائدة سريعاً لتحفيز النمو. وتكررت انتقادات ترامب في عدة مناسبات، ما أثار لدى العديد من المحللين مخاوف جدية بشأن استقلالية البنك المركزي، خاصة مع اقتراب موعد مغادرة باول لمنصبه في مايو/آيار 2026.
وضع هذا التوتر السياسي الفدرالي في موقف حساس، إذ حاول باول وأعضاء اللجنة التشديد على أن القرارات تستند حصراً إلى البيانات الاقتصادية، إلا أن السوق ظلتتراقب عن كثب أي إشارات قد توحي بتأثر السياسة النقدية بالضغوط السياسية.
وتتجه الأنظار الآن إلى عام 2026، حيث تترقب الأسواق كيفية تعامل الفدرالي مع مرحلة جديدة قد تتطلب مزيداً من موازنة الأولويات بين دعم النمو والحفاظ على السيطرة على التضخم، وسط سؤال كبير يظل مفتوحاً: هل يستطيع الفدرالي استعادة إجماع داخلي واستقلالية خارجية في عام سياسي شديد الحساسية؟
شاهد أيضا: بعد اجتماع ديسمبر.. الفدرالي الأميركي يستعد لثمانية اجتماعات حاسمة في 2026
اجتماعات 2026
ومع انتهاء موسم القرارات لهذا العام، تتحول الأنظار مباشرة إلى ثمانية اجتماعات مرتقبة ستعقدها اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة، والتي سيكون لكل منها تأثير مباشر على مسار الفائدة والدولار والأسواق العالمية.
ورغم أن اللجنة تمتلك صلاحية قانونية تتيح لها تعديل أسعار الفائدة في أي وقت تراه مناسباً -وهي صلاحية استخدمتها سابقاً في حالات الطوارئ الاقتصادية والأزمات المالية-– فإنها عادة ما تلتزم بجدول ثابت يقوم على ثمانية اجتماعات مقررة سنوياً. وتشكّل هذه الاجتماعات العمود الفقري للسياسة النقدية الأميركية، حيث تُراجع خلالها مستويات التضخم، وسوق العمل، وتوقعات النمو، قبل اتخاذ قرار التثبيت أو الرفع أو الخفض.
وخلال عام 2026، سيُعقد كل ربع سنوي اجتماعين للفدرالي وفق الجدول التالي:
في الربع الأول: 27-28 يناير و18-19 مارس
في الربع الثاني: 28-29 أبريل و16-17 يونيو
في الربع الثالث: 28-29 يوليو و15-16 سبتمبر
في الربع الرابع: 27-28 أكتوبر و8-9 ديسمبر
يمنح هذا الجدول الزمني الصارم الأسواق خارطة طريق واضحة لمراقبة تطورات السياسة النقدية.
وتكتسب بعض هذه الاجتماعات أهمية إضافية بالنظر إلى أنها تتضمن تحديثاً لـ ملخص التوقعات الاقتصادية (SEP)، وهو التقرير الذي يكشف عن رؤية أعضاء الفدرالي لمسار التضخم، والنمو، والبطالة، ومسار الفائدة المتوقع. ووفق النظام المتّبع، يتم تحديث هذا الملخص في اجتماعات متناوبة تبدأ من اجتماع مارس، ما يجعل تلك اللقاءات أكثر حساسية في أعين المستثمرين وصنّاع القرار على حد سواء.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي