العالم واللعب بلا قواعد

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

 

بقلم نجوى عسران
المدير الإقليمي لـCNBC عربية

يخطئ من يظن أن ما يعيشه العالم اليوم هو مجرد اضطراب سياسي عابر، أو صراع مصالح تقليدي يمكن احتواؤه بصفقات أو مؤتمرات. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام لحظة تاريخية شبيهة بلحظات سبقت كوارث كبرى، لكن الفرق الوحيد أن العالم اليوم أكثر قرباً، وأكثر هشاشة في الوقت نفسه.

قبل الحربين العالميتين، لم يبدأ الانهيار بدبابة، بل بخطاب. بخطاب يشيطن الآخر، وبنظام دولي يتآكل من الداخل، وبقوى كبرى تعتقد أن نفوذها أبدي، وأخرى صاعدة ترى أن دورها قد حان مهما كان الثمن. هذا المشهد نراه اليوم بوضوح: نظام دولي مترهل، مجلس أمن مشلول، وقانون دولي يُستدعى عند الحاجة ويُدفن عند التعارض مع المصالح.

النظام العالمي الحالي لم يولد صدفة، بل خرج من رحم الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا من مؤتمر Bretton Woods Conference عام 1944، حين اجتمعت 44 دولة لوضع أسس نظام مالي يمنع تكرار الكساد والحروب. من هناك وُلد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وربط العالم عملاته بالدولار، وربط الدولار بالذهب، في محاولة لصناعة استقرار يقوم على القواعد لا على القوة. لكن هذا النظام، الذي وضع لعالم ما بعد الحرب، لم يصمم لعالم متعدد الأقطاب. ومع فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971، بدأ التآكل التدريجي: تحولت العملة إلى أداة نفوذ، والديون إلى وسيلة ضغط، والمؤسسات الدولية إلى أدوات لإدارة الأزمات أكثر من كونها أدوات لمنعها.

والأرقام تعكس عمق الأزمة. الإنفاق العسكري العالمي تجاوز 2.7 تريليون دولار سنوياً، وهو أعلى مستوى في التاريخ الحديث. عدد النزاعات المسلحة النشطة هو الأعلى منذ نهاية الحرب الباردة. أما عدد النازحين قسراً فقد تخطى 120 مليون إنسان، في مشهد يعكس فشل النظام العالمي في أداء أبسط وظائفه: حماية البشر.

لم تعد القيم التي بُني عليها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية قادرة على الصمود أمام اختبار المصالح. الديمقراطية تُستخدم انتقائياً، حقوق الإنسان تُجزّأ، والسيادة تُحترم أو تُنتهك حسب هوية الدولة المعنية. لم يعد المعيار أخلاقياً أو قانونياً، بل سياسياً بحتاً.

اقرأ أيضاً: لماذا انخفضت أسعار الطاقة رغم الاضطرابات في فنزويلا؟ (خاص CNBC عربية)

وفي قلب هذا التحول، تقف التكنولوجيا كلاعب رئيسي. لم تعد مجرد أداة تقدم، بل سلاح نفوذ. الذكاء الاصطناعي، الحروب السيبرانية، والتحكم بالمعلومة أعادت تعريف القوة. لم يعد الانتصار يحتاج إلى احتلال أرض، بل إلى السيطرة على الرواية، وعلى البيانات، وعلى الاقتصاد. وهنا يصبح الخطر عالمياً بحق، لأن أي خلل في دولة كبرى لا يبقى محلياً، بل ينتقل كعدوى إلى الأسواق، والغذاء، والطاقة، وحتى المزاج العام للبشر.

العالم يعيش اليوم صراعاً مفتوحاً حول من يكتب القواعد. قوى قديمة تدافع عن نظام صنعته، وقوى صاعدة ترى أنه لم يعد يمثلها. وبين الطرفين، دول وشعوب تدفع الثمن بلا صوت حقيقي ولا مظلة حماية. وكما في كل مراحل التحول الكبرى، تكون الفوضى هي المرحلة الانتقالية التي لا مفر منها.

اقرأ أيضاً: العملية الأميركية في فنزويلا وأسعار النفط.. ما هي التداعيات المحتملة؟ (خاص CNBC عربية)

التاريخ يخبرنا أن لحظات الغرور السياسي، وانهيار التوازن، وشيطنة الآخر، دائمًا ما تنتهي بانفجار. لكنه يخبرنا أيضاً أن الفرصة تكون موجودة دائمًا قبل السقوط الأخير: فرصة مراجعة، فرصة عقل، فرصة شجاعة أخلاقية.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر في سقوط النظام العالمي فقط، بل في سقوط البشر جميعاً — من أكبر لاعب على المسرح الدولي، إلى أصغر إنسان، يدفع ثمن لعبة لم يختار ان يشارك فيها،  والأخطر - انها تُدار بلا قواعد.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة