سياسات ترامب التجارية تفتح الباب للصين للسيطرة على الأسواق

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة: AFP

استمع للمقال
Play

بدأ كبار الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الردّ على السياسات التجارية العدائية وغير المتوقّعة التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر السعي إلى تحويل أعمالهم التجارية نحو وجهاتٍ بديلة.

وفي هذا السياق، خرجت كندا، يوم الجمعة، عن خطّها التقليدي مع الولايات المتحدة، بعدما خفّضت ضريبة الاستيراد البالغة 100% المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية، مقابل خفض الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية الكندية، ولا سيما بذور الكانولا.

وقال إدوارد ألدن، الزميل البارز في «مجلس العلاقات الخارجية» والمتخصّص في قضايا التجارة: «إنه إعلانٌ كبير عن إعادة اصطفاف حقيقية في العلاقات الاقتصادية الكندية».

وأضاف لوكالة أسوشيتد برس: «التهديد الاقتصادي القادم من الولايات المتحدة بات يُنظر إليه في كندا على أنه أكبر بكثير من التهديد الاقتصادي القادم من الصين، ولهذا فإن ما جرى يُعدّ تطوراً بالغ الأهمية».

وكانت كندا هدفاً متكرّراً لغضب ترامب الاندفاعي. ففي أكتوبر تشرين الأول، على سبيل المثال، قال إنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 10% على الواردات الكندية، رداً على بثّ حكومة مقاطعة أونتاريو إعلاناً انتقد أداة الرسوم الجمركية التي يعتمدها الرئيس كوسيلة دبلوماسية مفضّلة. ورغم أن ترامب لم يُنفّذ هذه الزيادة، فإن الرسوم لا تزال قائمة على بعض القطاعات الكندية الرئيسة، مثل الصلب والألمنيوم.

 

اقرأ أيضاً: كندا والصين تتوصلان إلى اتفاق لخفض الحواجز التجارية بعيداً عن أميركا

 

غير أن الاتفاق الذي أُبرم يوم الجمعة مع الصين قد ينطوي على مخاطر سياسية لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني، إذ يواجه احتمال تعرّضه لإجراءات انتقامية من ترامب، وذلك قبيل انطلاق مفاوضات تجديد اتفاق التجارة لأميركا الشمالية، الذي يُعدّ حيوياً لقطاع الأعمال في كندا.


شركاء تجاريون يبحثون عن بدائل للولايات المتحدة

 

ولا تُعدّ كندا وحدها من يسعى إلى إيجاد بدائل عن السوق الأميركية الضخمة، في وقتٍ يفرض فيه ترامب رسوماً جمركية مرتفعة على الواردات، في محاولة للضغط على دولٍ أخرى لنقل إنتاجها إلى داخل الولايات المتحدة.

فقد وقّع الاتحاد الأوروبي، يوم السبت، اتفاقاً تجارياً مع تكتّل «ميركوسور» في أميركا الجنوبية، الذي يضمّ أكبر اقتصادين في المنطقة، وهما البرازيل والأرجنتين. كما يواصل الاتحاد الأوروبي مساعيه لإبرام اتفاقٍ تجاري مع الهند.

أما الصين، التي تعرّضت لرسوم جمركية أميركية منذ الولاية الأولى لترامب، فقد عمدت إلى تنويع صادراتها بعيداً عن أكبر اقتصاد في العالم، متجهةً إلى أسواقٍ مثل أوروبا وجنوب شرق آسيا. ويبدو أن هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها، إذ قفز الفائض التجاري الصيني مع بقية دول العالم إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولاراً في عام 2025، وفق ما أعلنته الحكومة الصينية يوم الأربعاء، وذلك رغم التراجع الحاد في الصادرات إلى الولايات المتحدة.

منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير كانون الثاني، نقض ترامب سبعة عقود من السياسات الأميركية التي دعمت التجارة الأكثر حرية. فقد فرض رسوماً جمركية مزدوجة الأرقام على واردات تقريباً من كل دولة في العالم، كما استهدف صناعات محددة، مثل الصلب والسيارات، برسوم خاصة بها.

ويقول ترامب إن الرسوم الجمركية ستدرّ عوائد لخزانة الولايات المتحدة، وتحمي الصناعات الأميركية، وتجذب الاستثمارات إلى البلاد. وفي الخميس الماضي، وافقت تايوان فعلياً على استثمار 250 مليار دولار في الولايات المتحدة مقابل خفض ترامب للرسوم على منتجاتها من 20% إلى 15%.

وكان استخدام الرئيس الأميركي للرسوم الجمركية غالباً ما يتسم بالعشوائية وعدم التوقّع.

فقد استهدف البرازيل، على سبيل المثال، لملاحقة صديقه الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو قضائياً. وفي يوم الجمعة، هدد بفرض رسوم على الدول التي لا تدعم جهوده للسيطرة على غرينلاند من الدنمارك.

 

اقرأ أيضاً: تهديدات الولايات المتحدة بالسيطرة على غرينلاند تشعل حروباً تجارية جديدة

 


كندا لديها علاقة معقدة خاصة بها مع الصين، ويشكّل اتفاق يوم الجمعة في بكين منعطفاً في السياسة الكندية.

ففي عام 2024، كانت كندا قد تبعت الولايات المتحدة في فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، تعبيراً عن مخاوف من أن تغمر السيارات الصينية الرخيصة صانعي السيارات المحليين في أميركا الشمالية. غير أن الاتفاق مع الصين يحقق مكاسب لكندا.

أولاً، يحتاج مزارعو الكانولا الكنديون إلى أسواق تصدير، ويخفض هذا الاتفاق الرسوم الصينية على الكانولا من 84% إلى 15%. ويعتبر مزارعو الكانولا أن الصفقة الجديدة مع الصين تمثّل خبراً سارّاً يمكن أن يعيد تنشيط صادرات المحصول الرئيس.

ثانياً، وبما أن إدارة ترامب تفضّل الوقود الأحفوري على الطاقة الخضراء، فإنها «تتعامل بعدائية مع إنتاج السيارات الكهربائية في أميركا الشمالية»، حسبما قالت الاقتصادية ماري لوفلي، الزميلة البارزة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي. وأضافت أن معارضة الولايات المتحدة «تهدد بجعل صناعة السيارات في أميركا الشمالية عتيقة في المستقبل، بينما تتقدّم الصين بسرعة في تحسين جودة البطاريات والإلكترونيات للسيارات الكهربائية».

وقال كارني يوم الجمعة: «لا يمكن إنكار قوة الصين في قطاع السيارات الكهربائية. فالصين تنتج بعضاً من أكثر السيارات كفاءة من حيث استهلاك الطاقة وبأسعار معقولة في العالم. ولكي تتمكّن كندا من بناء قطاع سيارات كهربائية منافس، علينا التعلم من شركاء مبتكرين، والوصول إلى سلاسل إمدادهم، وزيادة الطلب المحلي».

وفي عام 2018، احتجزت الصين مواطنَين كنديين رداً على توقيف كندا أحد التنفيذيين في شركة هواوي الصينية بناءً على طلب الولايات المتحدة. وأُفرج عن الثلاثة جميعاً في صفقة تبادل عام 2021. كما بدأت كندا قبل ثلاث سنوات تحقيقاً لمعرفة ما إذا كانت الصين قد تدخلت في الانتخابات الكندية في عامي 2019 و2021.

 

مخاطر على اتفاقية تجارة كبيرة بأميركا الشمالية

 

لكن أكبر المخاطر التي تواجه كندا تأتي من جارتها الجنوبية الحساسة.

فإن اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، وهي اتفاقية إقليمية تسمح بعبور العديد من السلع عبر حدود أميركا الشمالية معفاة من الرسوم، ستخضع لتجديد هذا العام. ومن شبه المؤكد أن يطالب ترامب بإجراء تغييرات تهدف إلى نقل التصنيع إلى الولايات المتحدة، وربما يهدد بالانسحاب من الاتفاقية كلياً، لا سيما إذا قرر معاقبة كارني على عكسه السياسة الأميركية تجاه الصين.

ويُعدّ ذلك تهديداً مخيفاً لكندا، التي تصدر 75% من سلعها إلى الولايات المتحدة.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة