لم تعد إعادة الإعمار في سوريا مجرد ورشة لإعادة بناء المدن التي دمرتها الحرب، بل أصبحت اختباراً سياسياً واقتصادياً للحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، وقدرتها على صياغة مشروع وطني يعيد بناء الاقتصاد والمجتمع، بدلاً من الاكتفاء باستقطاب الاستثمارات وتوقيع الاتفاقيات الكبرى.
ففي وقت يحتاج فيه ملايين السوريين إلى المنازل والكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات وفرص العمل، تتقدم إلى الواجهة مشروعات عقارية ومدن جديدة واتفاقيات استثمارية بمليارات الدولارات، من دون وضوح كافٍ بشأن ارتباطها بالأولويات المعيشية والإنتاجية. وبينما تراهن الحكومة على الاستثمارات الخارجية، ولا سيما الخليجية، لتحريك الاقتصاد، لا تزال الرؤية التنفيذية المتكاملة التي تحدد أولويات الإنفاق والتمويل وتوزيع العوائد بحاجة إلى مزيد من الوضوح
هنا تكمن مسؤولية الحكومة الانتقالية. فالحرب تفسر حجم الدمار، لكنها لا تبرر غياب التخطيط أو ترك أولويات التعافي رهينة للمشروعات التي يختار المستثمرون تمويلها. ومع محدودية الموارد واتساع الاحتياجات، يصبح واجب الحكومة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر إلحاحاً، وضمان الشفافية في منح العقود وإدارة الأصول العامة، وربط المشروعات بأهداف قابلة للقياس في التشغيل والإنتاج وتحسين مستويات المعيشة.
المشكلة ليست في نقص الوعود الاستثمارية، بل في غياب إطار تنفيذي واضح يحدد الأولويات، ويضمن توجيه الأموال نحو احتياجات السوريين، ويخضع النتائج للمحاسبة.
تقدّر أرقام البنك الدولي، الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، كلفة إعادة إعمار الأصول المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، مقابل أضرار مباشرة تقدر بنحو 108 مليارات دولار. وتتوزع الكلفة المقدرة على 82 مليار دولار للبنية التحتية، و75 ملياراً للمباني السكنية، و59 ملياراً للمباني غير السكنية .
تلك الأرقام تعكس اقتصاداً فقد جزءاً كبيراً من قاعدته الإنتاجية وأصوله المادية، ولا يمكن استعادته بمجرد تشييد الأبراج والمجمعات التجارية. فالتعافي يتطلب إعادة تأهيل شبكات الطاقة والمياه والنقل، وإحياء الصناعة والزراعة، واستعادة قدرة المنشآت على الإنتاج والتشغيل.
وتبرز الفجوة بين المشروعات المعلنة والاحتياجات الفعلية في قطاع الإسكان. فقد أشارت بيانات منشورة في 2026 إلى تضرر نحو 1.32 مليون وحدة سكنية، فيما يحتاج نحو 6.2 ملايين شخص إلى مساعدات لإصلاح مساكنهم. كما تشير تقديرات إلى أن العجز السكني بلغ نحو 1.9 مليون وحدة في 2025، مع احتمال ارتفاعه إلى 2.5 مليون وحدة بحلول 2030 إذا لم تتسارع وتيرة توفير المساكن.
مقالات أخرى للكاتب:
مقال رأي | العمومية الافتراضية.. راحة لمجلس الإدارة أم حق ضائع للمساهم؟
مقال رأي | هرمز النووي.. حين هز المضيق اقتصاد العالم
مقال رأي | هل طوّعت قطر النفوذ بالاستثمار... أم بنت الاستثمار بالنفوذ؟
مقال رأي | "السيادي السوري"... غموض طاغِ و شفافية غائبة
في ظل هذه الأرقام، لا يمكن اعتبار التوسع العقاري مؤشراً كافياً على التعافي. فبناء المدن والمجمعات الفاخرة قد يجذب رؤوس الأموال، لكنه لا يعالج أزمة السكن ما لم يترافق مع توفير وحدات ميسورة التكلفة وتمويل مناسب للأسر. وقد يؤدي غياب هذه الأولويات إلى نشوء سوق مزدوجة تستهدف المستثمرين وأصحاب الدخول المرتفعة، مقابل ملايين السوريين الذين يعجزون عن ترميم منازلهم أو تحمل تكاليف الإيجار.
وتزداد خطورة هذا التباين مع اتساع الفقر وتراجع القدرة الشرائية. فقد أشار البنك الدولي في يوليو/تموز 2025 إلى أن نحو ثلثي السوريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر الخاص بشريحة البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، استناداً إلى بيانات عام 2022. وهذه المؤشرات، رغم أنها لا تمثل قياساً آنياً كاملاً للأوضاع في 2026، تكشف عمق الأزمة الاجتماعية التي تنطلق منها عملية الإعمار.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الاستثمار الخارجي، فإعادة بناء سوريا تحتاج إلى رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا واستعادة العلاقات المالية والتجارية مع العالم. لكن توقيع الاتفاقيات لا يعني أن الأموال وصلت إلى الاقتصاد، أو أن التمويل أصبح متاحاً، أو أن التنفيذ بدأ فعلياً. وهناك فارق جوهري بين التعهدات الاستثمارية والعقود الملزمة والإنفاق الفعلي، وهو ما يفرض على الحكومة نشر بيانات دورية توضح مراحل التنفيذ والتمويل والنتائج المتحققة.
كما أن المنافسة الإقليمية على السوق السورية يمكن أن توفر فرصاً اقتصادية مهمة، لكنها تحتاج إلى معايير معلنة لاختيار المستثمرين والمشروعات، وضمانات تحمي المال العام وتمنع توزيع الامتيازات بعيداً عن اعتبارات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية. فغياب الشفافية لا يضعف ثقة المواطنين فحسب، بل يزيد أيضاً من المخاطر التي تواجه المستثمرين أنفسهم.
ويشكل ملف حقوق الملكية تحدياً إضافياً. فالمناطق المدمرة ليست أراضي خالية، بل أحياء امتلك سكانها منازل وأراضي ومحال تجارية قبل أن تدفعهم الحرب إلى النزوح. ومن دون تسوية عادلة لحقوق المالكين، وتوفير آليات واضحة للتعويض والاعتراض، قد تتحول إعادة التطوير العمراني إلى مصدر جديد للنزاعات والإقصاء، بدلاً من أن تكون مدخلاً للاستقرار.
لذلك، لا يمكن إعفاء الحكومة الانتقالية من مسؤولية غياب الأولويات التنفيذية الواضحة بحجة محدودية الموارد أو ضخامة الدمار. فهذه العوامل تجعل التخطيط أكثر ضرورة، وتفرض تقديم إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، وترميم المساكن، وإعادة تشغيل المصانع والمنشآت الزراعية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، على المشروعات التي لا تقدم عائداً واضحاً للاقتصاد المحلي.
ولا يقاس نجاح الإعمار بحجم الأموال المعلنة أو عدد الأبراج التي ترتفع في المدن السورية، بل بعدد المنازل التي عادت صالحة للسكن، وتحسن الكهرباء والمياه، وعودة المدارس والمستشفيات إلى العمل، وخلق وظائف منتجة، واستعادة النشاط الصناعي والزراعي، وقدرة الأسر على تحمل تكاليف السكن والخدمات.
المسؤولية الأساسية للحكومة ليست تمويل إعادة بناء سوريا وحدها، بل وضع الرؤية التي توجه التمويل، وتحدد الأولويات، وتحمي حقوق المواطنين، وتضمن شفافية العقود ومحاسبة المسؤولين عن التنفيذ.
فليس الخطر في تنافس الشركات والدول على الاستثمار في سوريا، بل في تحول هذا التنافس إلى سباق على اقتسام العقود والأصول، بينما تبقى احتياجات السكان في المرتبة الثانية. وإذا تقدمت العقارات الفاخرة والمشروعات الكبرى على السكن الميسور والخدمات الأساسية وفرص العمل، فقد تنجح سوريا في إعادة تشكيل سوقها، لكنها لن تكون قد أعادت بناء مجتمعها الذي أنهكته الحرب.
الخليج.. بين نعمة الجيولوجيا و لعنة الجغرافيا
السعودية والإمارات.. من التحالف إلى المنافسة
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي